الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
206
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولكِنْ ، كانوا ، نْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 ) » ، أي : ما ظلم المنفقين بضياع نفقاتهم ، ولكنّهم ظلموا [ أنفسهم لمّا لم ينفقوها بحيث يعتدّ بها . أو ما ظلم أصحاب الحرث بإهلاكه ، ولكنّهم ظلموا ] ( 1 ) أنفسهم بارتكاب ما استحقّوا به العقوبة . أو ما ظلم المنفقين وأصحاب الحرث كليهما ، ولكنّهم ظلموا أنفسهم . وقرئ : ولكنّ ، أي : ولكنّ أنفسهم يظلمونها . ولا يجوز أن يقدّر ضمير الشّأن ، لأنّه لا يحذف إلَّا في الشّعر ، كقوله : * ولكنّ من يبصر جفونك يعشق ( 2 ) * « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً » : وليجة ، وهو الَّذي يعرّفه الرّجل أسراره ثقة به . شبّه ببطانة الثّوب ، كما شبّه بالشّعار في قوله - عليه السّلام - : الأنصار والنّاس دثار . « مِنْ دُونِكُمْ » : من دون المسلمين . وهو متعلَّق « بلا تتّخذوا » أو بمحذوف هو صفة بطانة : أي : بطانة كائنة من دونكم . أو حالا عن بطانة إن جوّز تنكير ذي الحال . « لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً » ، أي : لا يقصّرون لكم في الفساد . والألو ، التّقصير . وأصله أن يعدّى بالحرف ، ثمّ عدّي إلى مفعولين ، كقوله : لا آلوك نصحا . على تضمين معنى المنع ، أو النّقص . « وَدُّوا ما عَنِتُّمْ » : تمنّوا عنتكم ، وهو شدّة الضّرّ والمشقّة . و « ما » مصدريّة . « قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ » ، أي : في كلامهم ، لأنّهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بعضهم . « وما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ » مما بدا لأنّ بدوه ليس عن رؤية واختيار « قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ » الدّالَّة على وجوب الإخلاص وهو موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين . « إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 118 ) » : ما بيّن لكم ، أو كنتم من أهل العقل والفهم . والجمل الأربع مستأنفات على التّعليل ، ويجوز أن يكون الثّلاث الأوّل صفات « لبطانة » . وحينئذ فالأنسب أن تكون الرّابعة حالا من الضّمير المضاف إليه « للأفواه ( 3 ) » .
--> 1 - ما بين المعقوفتين فقط في أ . 2 - أنوار التنزيل 1 / 178 . 3 - كذا في النسخ ولعلّ الصواب : لأفواه .